Wednesday, November 30, 2011

نجحنا بتفوق – فهمي هويدي



لو تمت الانتخابات بالصورة التي رأيتها أول أمس، فمعنى ذلك أننا نجحنا بتفوق في الفصل الانتخابي الأول.

والذي نجح هو الشعب الذي خرج على بكرة أبيه منذ طلوع الشمس لكي يصطف أمام مقار لجان التصويت. من المبكر الآن الحديث عمن حصد النسبة الأكبر من الأصوات، علما بأن الأهم هو حماس الجماهير وإقبالها الواعي على التصويت.

وهو ما قلته في مقام آخر، حيث ليس يهم كثيرا الآن من الذي فاز من بين الأحزاب المتنافسة. لأن الفوز الحقيقي للتجربة الديمقراطية في المرحلة الراهنة يتحقق بأمرين هما إقبال الناس على التصويت. ثم إجراء الانتخابات بحرية ونزاهة.


كنت قد تركت بيتي في السابعة والنصف صباحا، بأمل أن أصل إلى مقر اللجنة قبل أن تبدأ عملها، لكنني كنت واهمًا، ذلك أنني لمحت طابور الواقفين أمام المقر من على بعد كيلو مترين تقريبا.

كان ذلك في الساعة الثامنة إلا ربعاأدهشني المنظر ولم أصدق عيني، تقدمت أكثر فوجدت ثلاثة طوابير اصطفت جنبا إلى جنب، واحد للرجال، وآخر للنساء، وثالث لكبار السن من الجنسين.

استغربت أن يكون الواقفون في الطوابير أكثر ممن رأيتهم صبيحة يوم الاستفتاء على تعديلات الدستور.

ولم أجد تفسيرا لذلك لأول وهلة. حتى استحضرت ما سبق أن قرأته في بعض الصحف المصرية، وروجت له بعض القنوات التلفزيونية، من أن السلفيين قرروا أن يتوجهوا بعد صلاة الفجر إلى مقار اللجان لإثبات حضورهم واستعراض عضلاتهم.

كما سمعت إحدى المذيعات تتحدث عمن أخبرها بأنهم سيبيتون أمام مقار اللجان وسيصلون الفجر على الأرصفة المواجهة لها. ورغم أن المنطقة التي أسكن فيها لا يرى فيها أثر للسلفيين، إلا بين خطباء بعض المساجد، إلا أنني وصلت إلى أول الطابور لكي أتأكد من صحة ما قرأته وسمعته.



تفرست في الوجوه فلم أجد بينها أحدا يدل مظهره على أنه من «الجماعة». بعد نصف ساعة أصبحت الطوابير بلا نهاية، وجدت أناسا أحضروا معهم مقاعد مطوية واستخدموها في الجلوس تحت الشمس الدافئة.

 آخرون واصلوا قراءة الصحف، وحين تعبوا من الوقوف فإنهم افترشوها وأسندوا ظهورهم إلى سور المدرسة.

ولاحظت أن البعض تحلق حول جالس أمام طاولة وأمامه جهاز كمبيوتر صغير (لاب توب)، واكتشفت أنه من شباب حزب العدالة والتنمية الذين توزعوا على أبواب المقار الانتخابية لإرشاد الحائرين إلى اللجان التي ينبغي أن يصوتوا أمامها.


كان واضحا أن جهدا خاصا بذل لتأمين العملية الانتخابية. إذ شاهدت ثلاث مجموعات من الجنود تتحرك في المكان. أغلبهم ارتدوا خوذات وحملوا معهم دروعا واقية. كانت هناك شرطة وزارة الداخلية، والشرطة العسكرية بأغطية رؤوسها الحمراء، ومجموعة أخرى من الجنود تميزوا بأن كل واحد طوق ذراعه بلافتة صغيرة من القماش بينت أنه «فرد تأمين الانتخابات».


كما أنني لم أجد أثرا للسلفيين الذين خوفونا من استيلائهم على اللجان، فإن شبح البلطجية والفوضوية لم يظهر في المكان.

بالتالي، فإنه باستثناء الحضور الكثيف للقوات المسلحة والشرطة، فإن المشهد الانتخابي بدا نموذجيا منذ الصباح الباكر. ولا أعرف إن كان ذلك مقصورا على حي مصر الجديدة أم لا، لكنني أتحدث عما رأيته بعيني، وأرجو أن يكون قد تكرر في بقية الدوائر الانتخابية.

علما بأنني لا أجد مبررا لتخصيص مصر الجديدة بمثل هذه الاحتياطات، التي ربما كانت مبررة في وجود الرئيس السابق الذي كان من سكان الحي، ولكن هذا المبرر سقط الآن، بدليل انتشار القمامة والكلاب والقطط الضالة في المنطقة!


ظللت أبحث طول الوقت الذي أمضيته في الطابور عن تفسير لذلك الحضور الكثيف للناس، الذين كانوا خليطا مدهشا من الرجال والنساء والشبان والفتيات والأثرياء والفقراء. حتى بدا لي كأن كل أهل الحي أصروا على أن يشتركوا في التصويت. حدث ذلك في حين أن بعض وسائل الإعلام تحدثت عن احتمالات الفوضى التي تهدد الانتخابات، وعن ملل الكثيرين وقرفهم من الانفلات الأمني والاعتصامات والمليونيات، وعن حال الكثيرين الذي وقف وحنين بعضهم إلى الزمن الذي مضى، واتجاه البعض إلى مقاطعة العملية الانتخابية.


كان مفهوما الحماس الذي دب في النفوس في الأشهر الأولى للثورة، ودفعهم إلى الإقبال على المشاركة في الاستفتاء، بقدر ما كان مستغربا أن يتزايد ذلك الحماس أو على الأقل لا تتراجع مؤشراته بعد مضي تسعة أشهر، رغم أنها لم تكن مبهجة على النحو الذي يأمله الكثيرون.


في تفسير هذه الملاحظة سألت:

هل كان الدافع إلى ذلك هو الشوق إلى الديمقراطية التي ظللنا طوال أكثر من نصف قرن نسمع بها ولا نرى لها في حياتنا أثرا؟

هل يمكن أن نقول إن جرعة الحيوية التي دبت في أوصال المجتمع المصري لا تزال تتدفق بذات القدر من القوة، على العكس مما توحيه لنا وسائل الإعلام التي دأبت على إشاعة اليأس والإحباط بيننا؟

وهل يمكن أن نرجع ذلك الحماس إلى شعور الناس بأن الثورة في خطر، وأنهم أدركوا أن عليهم أن يهبوا للدفاع عنها وإنقاذها؟

 ــ لا أستطيع أن أصدر حكما في ظل خبرة يوم واحد في حي واحد بالقاهرة. لكنني مع ذلك لا أتردد في القول بأننا حتى في حدودنا الضيقة نجحنا. زفوا الخبر لشهدائنا.


No comments:

Post a Comment