Sunday, December 16, 2001

الديكتاتورية العالمية الجديدة بقلم: محمد شريف كامل


الديكتاتورية العالمية الجديدة

بقلم: محمد شريف كامل
16 ديسمبر 2001



لقد عرف العالم نظامى حكم أساسيين مقبولين لدى الشعوب، كل حسب حاجته ودرجة علمه ويقينه، هما النظام الأتوقراطي والنظام الديمقراطى،  فالنظام الأتوقراطي معلوم انه يستمد شرعيتة في الحكم من التشريع الالهى وقد نادى به العديد وطبقه البعض على مر العصور، أما النظام الديمقراطى فهو يستمد شرعيته من الشعب ذاته حيث لا سلطة تعلو عليه فالشعب هو صاحب القرارالأول والأخير، ولذلك فالشعب فى ذلك النظام يختار ممثليه ليصرفوا الأمور وفق إرادة الشعب.

 وسوف لا نتعرض هنا للنظام الأول الأتوقراطي لأنه غير مطبق فى عصرنا هذا، وقد يصل بنا القول انه ليس له وجود في عصرنا هذا. أما النظام الديمقراطى والذى رأى الجميع أنه هو الشكل الأمثل فقد عرف منذ قرون طويلة وأخذ عدة أشكال للتطبيق تراوحت بين الديمقراطية المباشرة التى عرفها اليونانيون القدام ونظام الشورى الذى أدار شئون الدولة الإسلامية الأولى، ثم نظام الحياة النيابية الذى أخذ عدة صور في التطبيق، فجاء منها نظام التعدد الحزبى ونظام الحزب الواحد مثل الشيوعية والإشتراكية العربية على سبيل المثال.

ولكن بتلاشى إمكانية الديمقراطية المباشرة لتعقد طبيعة الحياة ولتفسخ الدولة الإسلامية ببعدها عن الشورى الحقة وتحول النظام الشيوعى إلى ديكتاتورية الحزب الواحد  وتردى النظم الإشتراكية العربية بالإنقلابات الداخلية، أصبح النظام السياسى  الوحيد المتداول هو التعددية الحزبية.

وقد تراجع كذلك نظام التعددية الحزبية عن دوره فى خدمة الشعب وممثليهم لتحوله إلى نظام فى حد ذاته، فأصبح  كل حزب هو مجموع من الشعب مستقل عن الأخر، حتى أنه يخالفه وقد يصل أحيانا إلى قتاله، وأصبح كل حزب يمثل مصلحة طبقة أو فئة أو جمع ما، وقد تضاربت تلك المصلحة مع مصلحة جموع الشعب، فيتحول ذلك الحزب لتمثيل مصالح مكونية، وتحولت الإنتخابات إلى قضية مالية، فاصبح من يملك المال الكافى يستطيع أن يفرض مرشحيه على الجماهير، ولم تعد الإنتخابات هى عملية إختيار ممثلين للشعب، بقدر ما هى حشد أكبر عدد ممكن من الأصوات لصالح ممثل ما أو حزب ما فى ظل وعود كاذبة وناخبين أصبحوا لا يبالون بزيد أوعمر على رأس الحكم، ولهذا هبطت المشاركة فى اللإنتخابات فى أغلب بلدان العالم إلى أقل من 50% من المسجلين فى قائمة الإنتخابات علما بأن فى أغلب بلدان العالم المسجلون فى الإنتخابات لا يمثلون أكثر من 50% ممن لهم الحق فى التصويت، وإذا إفترضنا أن الحزب الحاصل على الثقة قد حصل عليها بنسبة تقارب 50% من الأصوات الصحيحة التى قد تصل إلى 80% من أصوات الناخبين، أصبح الحزب الفائز يمثل قرابة 10% ممن في سن الإنتخاب فقط و هو ما يمثل قرابة 5% من إجمالى الشعب.

ولذا عرف العالم هذه الصور من الإضرابات و الإنقلابات السياسية والعسكرية، وساد الفساد كل أرجاء الأرض وكانت الحروب التى أصبحت لا تمثل أى حق غير مصلحة المستعمرين فى ذلك القطاع أو ذاك.

لقد عرف عالمنا فى فترات متعددة صورا من الإستعمارالتى كانت تمثل إستغلال مباشر لثروات دولة بمعرفة دولة أخرى وهى المستعمر، وكان من الطبيعى أن تجهز الجيوش لحماية ذلك الإستثمار، وتدافع عنه ويقوم بتجهيزها بلا شك أصحاب المصلحةوهم المستثمرين. ولأن الشعوب كلت  من ذلك الإستعباد، ولأن التعرض لمقاومة الشعوب وفرض إرادة المستعمر ذات تكلفه باهظة، أصبح من الضرورى التخلى عن الإستعمار المباشر، وأصبح هناك ما يعرف بتنصيب الحكومات التابعة مثل  (أمراء البترول،  كارلوس فى الفلبين،  باتستا فى كوبا، الشاه فى إيران ............. إلخ ). والدول الزريعه مثل (جنوب أفريقيا  وروديسيا والدولة الصهيونية).

 فتمللت الشعوب  من تلك النظم وأسقطة الكثير منهم، فأصبح العالم فى فراغ من قوة المستعمرالتقليدي،  وإستبدل بنظامان حاولا التوازن والتسارع على خيرات الشعوب، وهما الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتى،  وكان ذلك هو عصر الرخاء لدول العالم الثالث حيث إستفادت من التوازن لصالحها، و عاش العالم فترة من  الكر والفر عرفت بالحرب الباردة، والحروب المصغره فى أجزاء من العالم مثل فيتنام وأوغندا والصراع العربى الصهيونى.

ولعب الغرب لعبته الهائلة بالتحالف مع المد الإسلامى فى العالم لإسقاط الشيوعية والإشتراكيات المحلية فسقط الإتحاد السوفيتى وسقط معه أى أمل فى الإستقرار لدول العالم الثالث وإمتدت يد الولايات المتحدة وحلفائها حتى تبين لها إستقرار الوضع فبدأت تبحث عن حل لإفشال تلك التجارب الوليدة، ولأن اليد الطولى المعاونة فى الشرق الأوسط (الصهيونية) لم تعد كافية لأنها تستطيع فقط تقويض دور عدد محدود من الدول، فأصبحت العولمة هى الحل،ولأن العولمة تقوم على المفهوم الإستهلاكى، فهى أول أداة لإيجاد مستهلك للمنتج ، ولا يوجد منتج غير الولايات المتحدة والتابعين لها،  فأصبح باقى العالم بحكم العولمة مستهلك بالإكراه.

فكان من الضرورى تأمين طرق التجارة والمواد الخام ، فلابد من إخماد الثورات وإذلال الشعوب، وتم ذلك منذ كامب دايفيد الأولى حيث أجهضت نتائج حرب 1973 ضد الصهيونية، ثم حائت الدورة الثانية، وهى تصفية النظم الوليدة على أيدى نظم تابعة أو موجهة ، و كانت حرب إيران والعراق كمثال، والأمثلة كثيرة وكأننا كالحمار يحمل أسفاره ولم نسمع ما قاله الله تعالي محذرنا من أن نقاتل بعضنا البعض. فلعب بنا الإستعمار خير لعب وإستغلنا أحسن إستغلال، وفشلنا حتى اليوم فى فهم لعبه التوازن الدولية وأصبح كل منا ألعوبة فى أيدى الدولةالكبرى الوحيدة، لقد ظلت إيران والعراق على خلاف سلمى حتى سقط الشاه و قام نظام ينثل وجهة نظر إسلامية متطورة فحاربه العراق عشر سنوات و ذلك بالطبع للقضاء على قدراته العسكرية مما إستدعى تزويد العراق باحدث الأسلحة، وعندما إنتهت الحرب حين أنهكت القوى المتحاربة أفتعلت أزمة الكويت للقضاء على ما بقى من القوى العراقية و زريعة لإدخال القوات الأمريكية للمنطقه.

فما أشبه اليوم بالبارحه...!

ولأن تلك المحاولات لإذلال الشعوب قوبلت بالمقاومه و لم تثمر تماما المطاوب منها وبالسرعه الازمه، فأحست الولايات المتحدة أن الوقت يمر وعليها فرض سيطرتها بالكامل، فأصبحت لعبة تعيين الحكومات تتم بالشكل المباشر بعدما كانت غير مباشره من قبل، فحلت بنا تجربه أفعانستان التى يعتبرونها مشروع تجريبي ليعم فيما بعد على الدول الإسلامية والعربية وكل من عصى من شعوب العالم الثالث. فلقدأصبحت الأمم المتحدة لعبة فى أيدى الولايات المتحدة، وأصبح دورها محلل لكل ما تقوم به الولايات المتحدة، و بدأت لعبة ما يسمى بالإرهاب ، ليوصم به كل من يعارض المشروع الأمريكى الصهيونى.

لقد أصبحت المقاومة الشرعية إرهاب، ونرى الأمم المتحدة تتخذ قرارات جوفاء تدين الصهيونية وإسرائيل،  والصهيونية العالمية تتخذ أمورا تدبيري لتدمير المقاومة و تجميد أموالها لتجويع الشعوب فهي يحق لها جمع تبرعات لبناء مستوطنات فى أراضي محتلة، ولا يحق لشعب محروم من كل شئ أن يجمع تبرعات ليأكل.

إن السبب المباشر لكل ذلك هو تطور نظام الحكم و ظهور الديكتاتورية العالمية الجديدة وهى ولا شك لم يكن لها أن تظهر لولا ضعفنا وأكلنا بعضنا البعض.