Saturday, June 27, 2015

التقرير الأمني لمفتي مصر في قضية اقتحام السجون



د. وصفي عاشور أبو زيد

بلغت بي الدهشة كل مبلغ وأنا أقرأ التقرير المنسوب لمفتي مصر في القضية المعروفة إعلاميا بـ "اقتحام السجون"، وقلت في نفسي: "هل هذا تقريرُ مُفتٍ، أم تقريرٌ كُتب في مكاتب أمن الدولة ومكاتب المخابرات، ووجَّهت هذه المكاتب أوامرها للمفتي بالتوقيع عليه؟" .. إن كل كلمة في التقرير كلمات أمنية وصياغات أمنية واتهامات لا تصدر إلا من نيابات أمن الدولة العليا؛ إذ لا علاقة للغتها ولا لصياغاتها بلغة الشرع ولا لغة أهل الفقه!!

حسبك أيها القارئ الفطن أن تقرأ هذه الفقرة من التقرير فقط دون تعليق: "أن المتهمين تخابروا مع من يعملون لصالح منظمة مقرها خارج البلاد (التنظيم الدولي للإخوان) وجناحه العسكري حركة (حماس) للقيام بأعمال إرهابية داخل مصر، بأن اتفقوا معه على تنفيذ أعمال إجرامية إرهابية داخل البلاد وضد ممتلكاتها ومؤسساتها ومواطنيها بغرض إشاعة الفوضى وإسقاط الدولة المصرية وصولا إلى استيلاء جماعة الإخوان على الحكم، بأن فتحوا قنوات اتصال مع جهات أجنبية رسمية وغير رسمية، وتلقوا دورات تدريبية لتنفيذ الخطة المتفق عليها، بالتحالف مع منظمات إرهابية جهادية بالداخل والخارج، وتسللوا بطرق غير مشروعة إلى قطاع غزة، حيث تلقوا تدريبات عسكرية داخل معسكرات، وتبادلوا عبر شبكة الانترنت نقل التكليفات فيما بينهم".!!

إنها الاتهامات المعلومة في "أسطوانة" الأمن المشروخة، التي تُجَلِّلُ الأمن المصري والقضاء المصري ودار الإفتاء المصرية بالعار والشنار .. تلك الاتهامات المعلبة لكل من يتم القبض عليه أو محاكمته بسبب رأيه أو معتقده، ومحاكمةُ الفكر – كما هو معروف عند القانونيين – جريمة ضد الإنسانية؛ لأن بها تمييزا عنصريا.

كما أن رئيس المحكمة تلعثم وتعثر وهو يتلو الحكم، وهذا يؤكد أنهم لم يكتبوا الحكم بأنفسهم، وأنه أول مرة يراه؛ لأن الدائرة عادة تقرأ مسودة الحكم أكثر من مرة، ويراجعه أعضاء الدائرة الثلاثة قبل تلاوته أمام الجمهور؛ إذ المفترض أن الحكم صدر بإجماع الآراء، فالحكم كتب فى الأمن الوطنى بالتنسيق مع المخابرات، وسُلم للمحكمة لتلاوته فقط، ولم تتداول فيه وإلا كانت أحسنت قراءته.

ما الذي جناه مفتي مصر شوقي علام في حياته حتى يلقى الله بهذه الدماء المعصومة وتلك الأرواح البريئة، ما الذي جناه في دنياه حتى يَبيتَ أرامل ويتامى يطويهم الليل الحزين مسكونين بالألم والوجع، مبسوطة أيديهم لرب السماء يدعونه دعوة المضطر ودعوة المظلوم التي يرفعها الله فوق الغمام ويقول لها: "وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين"؟!

إننا في الحقيقة لسنا أمام محاكمات على جنايات حقيقية، ولا أمام أحكام صادرة على قيادات الإخوان المسلمين، وإنما نحن بصدد محاكمة الشعب نفسه ونوابه، والحكم عليه بالإعدام والعدم؛ لأنه فكّر يوما أن يثور على "أسياده" الذين يحكمونه منذ مائتي عام، فكيف يفكر هذا الشعب ويتجرأ أن يحدث انقلابا ويختار حاكما مدنيا ويكون له حرية الاختيار وإرادة التعبير؟! أليس هذا انقلابا على التاريخ العسكري والحكم الفاشي الدموي الذي يُحكم به الشعب منذ قرون؟!

نحن أمام محاكمة لثورة يناير ومبادئها الكبرى التي تلاقى عليها الجميع، وهي الحرية والعدالة والكرامة، والشعوب العربية محرم عليه أن تعيش كما يعيش الناس، وأن تحيا كما يحيا الشعوب، وأن تكون كما أرادها الله، وإنما كتب الغرب عليها أن تعيش مستعبدة للأنظمة الطاغية الباغية العميلة التي لا تعمل لصالح دينها، ولا تفكر في نهضة وطنها، وإنما تفكر فقط في كيفة إرضاء أعداء الأمة من الصهيوأمريكية الآثمة.

إن من حُكم عليه بالإعدام حقا في هذه المحاكمات إنما هي العدالة، والقانون، واللغة العربية، ودار الإفتاء ومؤسسات الدولة، والقضاء المصري الذي كبرنا عليه أربعا منذ فترة، وتم دفنه من قديم! وأما الرئيس محمد مرسي ومن معه فقد ضربوا أروع الأمثال في البطولة والبسالة ورباطة الجأش والثقة والثبات واليقين، وسوف يذهبون مثلا في التاريخ لهذه المعاني جميعا، أما أعداؤهم وشانئوهم وجلادوهم فسوف يجدون متسعا في مزابل التاريخ!

No comments:

Post a Comment